شجرة الأمنيات

 


 بقلم هيا برماوي ..


كان الجو مشمسًا وجميلًا، وأصوات العصافير تضيف إلى الصباح سحرًا هادئًا .. نهضت من سريري، أعددت قهوتي، ثم خرجت إلى الحديقة حيث كانت جدتي تجلس تحت شجرة الياسمين.


ألقيت عليها التحية وجلست بجانبها ، رأيتها تكتب شيئًا ما على ورقة صغيرة، لكنني كعادتي لم أحب أن أتطفل على خصوصية أحد ، أغلقت جدتي الورقة بعناية، ثم تنهدت بضيق وأخرجت مغلفًا وضعت عليه طابعًا قديمًا، وأدخلت الرسالة بداخله.


وضعت الرسالة أمامها، ثم نظرت إليّ مبتسمة وقالت:

— كيف كانت ليلتك يا حبيبتي؟


ابتسمت وقلت:

— بخير، الحمد لله… وأنتِ؟


تنهدت مرة أخرى وقالت:

— بخير… كل شيء في حياتنا يمضي بخير.


ابتسمت لها وقلت:

— جدتي، ألا تحدثينني اليوم عن زمنٍ جميل من الماضي؟ عن أيام كنتِ فيها في ربيع العمر؟


رأيت في عينيها حنينًا حاولت جاهدة أن تخفيه، ثم قالت بصوت هادئ:

— هناك الكثير من الحكايات يا صغيرتي… لكنني سأحدثك اليوم عن شجرة الأمنيات.


قلت بدهشة:

— شجرة الأمنيات؟!


ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت:

— نعم… أكثر ما كنت أؤمن به في شبابي كان شجرة الأمنيات.


قلت بحماس:

— احكي لي عنها، أرجوكِ.


تنهدت طويلًا، ثم بدأت حديثها:


— كنت في الخامسة عشرة من عمري حين وقعت في حب شاب التقيته صدفة ذات يوم… وكما أحببته، أحبني هو أيضًا. بدأت الصدف تجمعنا مرارًا، حتى كتب لي أول رسالة، ومن هناك بدأت أجمل قصة حب عرفها قلبي.


بقينا نتبادل الرسائل، والمحبة، والشوق… حتى أصبحت في التاسعة عشرة، وكان هو في الرابعة والعشرين.


لكن في أحد الأيام خرج في رحلة صيد مع أصدقائه… ولم يعد.


بحثوا عنه طويلًا، فلم يجدوا له أثرًا؛ لا حيًا ولا ميتًا. اختفى وكأنه تبخر داخل الغابة.


انتظرته أيامًا طويلة، حتى سمعت يومًا عن شجرة الأمنيات ، ذهبت إليها وعلّقت أمنيتي على أغصانها، راجية أن يعود إليّ.


قلت بلهفة:

— وهل عاد؟


أخفضت جدتي رأسها وقالت:

— انتظرته سنوات طويلة… لكنه لم يأتِ، وكأنه لم يكن.


صمتت قليلًا ثم تابعت:

— كنت أذهب كل يوم إلى شجرة الأمنيات، حتى وصلت إليها ذات صباح، وبينما كنت أقترب منها، سقطت أمامي رسالة معلّقة بين الأغصان.


انتابني الفضول، ففتحتها بهدوء…


لكن القشعريرة سرت في جسدي عندما رأيت اسمي مكتوبًا داخلها، والأكثر صدمة أنني رأيت اسمه في آخر الرسالة.


قرأت:


“إلى شجرة الأمنيات…


أقسم بكل ما هو مقدس أن تدليني إلى الطريق المؤدي إلى حبيبتي.


طال الفراق، ولم أعد أقوى على هذا الوجع. منذ أن سقطت قرب النهر وافترقت عن أصدقائي، عشت عند رجل طيب أنقذني بعدما وجدني فاقدًا للوعي.


وحين استيقظت، لم أتذكر شيئًا… فقدت ذاكرتي بالكامل.


لكن شيئًا واحدًا لم أستطع فقدانه أبدًا: اسم محبوبتي، حسناء.


كنت أبحث عنها في كل مكان، وأعود دائمًا إلى شجرة الأمنيات، على أمل أن أجد طريقي إليها.


حسناء… أقسم أنني لم أقوَ يومًا على فراقك.”


توقفت جدتي عن الكلام، ثم قالت بصوت مرتجف:

— بكيت يومها كثيرًا… حتى شعرت أنني نسيت كيف أضحك.


تركت له رسالة على الشجرة، أخبرته فيها أنني ما زلت هنا كما تركني… لكن العمر كان قد مضى، وكنت قد تزوجت منذ سنوات، وأصبح لدي حفيدة.


ثم نظرت إليّ وابتسمت بحزن.


سألتها بهدوء:

— وما الذي كنتِ تكتبينه الآن يا جدتي؟


قالت:

— رسالة إلى شجرة الأمنيات.


قلت:

— وماذا كتبتِ فيها؟


أجابت وهي تنظر إلى السماء:

— أخبرتها أن العمر لم يعد يتسع للانتظار، وأن ما مضى لن يعود، وأن القدر لم ينصفني مع من أحببت… وأخبرتها أنني سأبقى أعلّق أمنياتي عليها، لعلها تحقق لي أمنيتي يومًا ما… ويعود الحاضر الغائب.


صمتت جدتي طويلًا، ثم رفعت عينيها نحو السماء وقالت:


— بعض الأمنيات تصل متأخرة يا صغيرتي… متأخرة جدًا.


حينها أدركت أن شجرة الأمنيات لا تحقق الأمنيات دائمًا…


لكنها تحفظ القلوب التي ضاعت في الطريق.


ثم ابتسمت جدتي بصمت…


وكأنها ما زالت تنتظر..

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology