أَلْقِهَا يَامُوسَى

 


 د. بدرية مانع


﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ ﴾، إنها العصا وقد كانتْ سنداً، ومأوى، ورفيقَ دربٍ، ثم انقلبتْ في هنيهات معدودة إلى حية تسعى تلتهمُ بشراسة وسرعة كل ما حولها؟ 

هذا هو حال الأشياء التي نتشبث بها بقوة، نُغذّيها من أرواحنا، ونُلبسها من عواطفنا، حتى إذا ما استوفتْ أجلها، أو تبدّلتْ طباعها، غدتْ سُمّاً زعافاً يستلذ بتحويلنا إلى الفتات.

لقد كان موسى عليه السلام يرى في عصاه امتداداً لذاته، ركيزةً يستندُ إليها، ومُعجزةً يُباهي بها. كانتْ لهُ عوناً في مسيرته، وشاهداً على آياته. ولكنْ، حينما أُمرَ بأن يُلقيها،  كانتْ إلقاءً لتعلقٍ، وتجرداً من مألوفٍ، وتخلياً عن صورةٍ ألفها القلبُ والعقلُ. ألقاها، فإذا هي حيةٌ تسعى، تبتلعُ ما صنعَ السحرةُ من أوهامٍ وزيفٍ.

 ألقاها، فكانتْ لهُ برهاناً، على قوة الخالقِ و على قدرةِ الإنسانِ على التخلي، على التحررِ من قيودِ ما كانَ يظنّهُ نفعاً، فإذا هو ضررٌ مبين.كم من عصا نُتمسكُ بها في حياتنا، نُعلّقُ عليها آمالنا، نوليها زمام أمورنا،  ونُسكنُها أفئدتنا، وهي في حقيقتها أفاعٍ كامنةٌ تنتظرُ لحظةَ الانقضاض!

 قد تكون تلك العصاُ عادةً قديمةً تُقيّدُ الروحَ، أو علاقةً استنزفتْ القلبَ، أو فكرةً عفى عليها الزمنُ وأصبحتْ حجاباً بيننا وبينَ الحقيقةِ. نظنّها جزءاً لا يتجزأُ منا، نخشى فراقها، نُبرّرُ بقاءها، ونُقنعُ أنفسنا بأنها لا تزالُ تحملُ في طياتها الخيرَ الذي عهدناه يوماً.

ولكنْ، متى ما تحوّلتْ العصا إلى أفعى، متى ما غدتْ مصدراً للأذى، للهمّ، للوجع،  فإنّ إلقاءها هو عينُ النجاةِ، وسبيلُ الخلاصِ. لا تترددْ، لا تتشبثْ بوهجٍ خافتٍ كانَ يوماً نوراً ساطعاً. إنّ التجليَ لا يكونُ إلا بالتخلي، وأنَّ الوصولَ إلى الحقِّ يقتضي التحررَ من دون ما سواه. إن النفسَ البشريةَ تتأرجحُ بينَ الألفةِ والخوفِ، بينَ التمسكِ والتفريطِ، ولكنَّ الحكمةَ تكمنُ في إدراكِ اللحظةِ التي يجبُ فيها أنْ تُلقيَ ما بيدك، ليتسع المجالَ لما هو أجدى وأنقى.


أَلْقِهَا يَامُوسَى ألقِ كلَّ ما يُثقلُ كاهلكَ، كلَّ ما يُطفئُ نورَ بصيرتكَ، كلَّ ما يُقيّدُ روحكَ. ألقِها، ففي الإلقاءِ عزيمة وبعث، وفي التخلي قوةٌ لا تُدركها إلا الإرادة التي تجرّأتْ على مواجهةِ أفاعيها، وتحريرِ ذاتها من قيودِ الماضي. 

فما كانَ لكَ سنداً بالأمس، قد يصبحُ لكَ قيداً اليوم. والحكمةُ ضالة المؤمن في أنْ تُدركَ متى تتخلى، ومتى تستقبلُ، لتظلَّ روحكَ حرةً طليقةً، تسعى في فضاءِ الوجودِ بلا قيودٍ ولا أثقالٍ.

{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} [سورة طه: الآية 18].



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology