تبارك الياسين تقشر الألم حتى العظم

  


رؤية الناقدة منال العبادي 




كتبت الأديبة تبارك الياسين وهذا جزء من   قصة رأس السنة من مجموعة للموت أسنان صفراء

"تدخل لتستحم ، تفرك جسدها الملعون بقوة، تختلط دموعها بالماء، كم جسدًا مر فوق جسدها وترك ندوبه عليه ورحل؟ ندبة واحدة بقيت تنزف كلما داعبت الذاكرة جرحها. ذلك الجرح الذي تركها تنزف براءتها الأولى، لينزع عنها ما تبقى من حياة. خذلها ذلك الحب وهرب. لا تعرف لمَ اليوم اشتاقت إليه، أمسكت هاتفها النقال وأرسلت إليه:

ما الذي تفعله الآن؟ تشرب قهوتك المنسية الباردة؟ تسرح شعر القيثارات؟ 

تحصي كم حرفاً سقط سهوًا من كلمة رتبتها بعناية لك؟ أم سرحت للحظة في ثوب جارتكم التي تطاير مع الهواء؟

أو سرحت بتلك التي هرعت تخطف ملابسها من فوق حبل غسيل هوى كمشنقة؟ 

ما الذي تفعله الآن؟ 

تكتب لحناً ليعزفه طائر قد مزق الخوف حنجرته؟

أم تجمع صورتنا " كالبازل "التي ضاعت آخر قطعة منها ونحن نرتب أمنياتنا؟

ما الذي أفعله الآن!!"

 بكت نفسها، وكيف انتقمت منه بأن أصبح جسدها ميناء ترسو فيه قوارب الغرباء" .


وعقبت عليه الناقدة منال العبادي بالآتي

"تبارك الياسين تقشر الألم حتى العظم. 

 يا لهذا النص القاسي بجماليته الموجعة! الكاتبة هنا لا تكتب، بل تشق جسد اللغة بسكين ملوّن بمشاعر متناقضة، وبراعتها تظهر في التجسيد العضوي للجرح حيث "ندبة واحدة بقيت تنزف كلما داعبت الذاكرة جرحها"، فتُحوَّل الندبة من أثر جامد إلى كائن حي ينزف بفعل الذاكرة وكأن الزمن لم يندمل أبداً، وفي التراسل الحسي البصري من "جسدها الملعون" إلى "القوارب ترسو فيه" حيث صورة الميناء تحيل الجسد من كونه ضحية إلى فضاء اختياري بسخرية سوداوية من انتقام لم ينجح، وفي الأسئلة الساخرة مثل "تسرح شعر القيثارات؟" و"ثوب جارتكم التي تطاير مع الهواء" وهو أسلوب تهكمي يخفي تحت قناعه العادي جرحاً يصرخ، إذ القيثارة ليس لها شعر والثوب لا يتطاير عبثاً، بل استعارات تفضح أنه لا يزال حاضراً في تفاصيلها المستفزة، وأخيراً في الانتقال الدرامي الحاد من "أنت" إلى "أنا" عبر صرخة "ما الذي أفعله الآن!!" حيث يتحول سؤالها له إلى سؤال لنفسها، لترى أنها هي الأخرى غارقة في انتظار لا معنى له، لتختتم بخاتمة بارعة: "جسدها ميناء ترسو فيه قوارب الغرباء"، حيث الانتقام الذي ظنته قوة هو في الحقيقة استسلام أخفى طعمه المر؛ إن الكاتبة تمتلك جرأة شاعرية نادرة أن تكتب الألم دون أن تزينه، بل تقشره حتى العظم، ثم تترك القارئ يواجه مرآته".

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology