د عبدالله عنان محمد سيف
يقف المرء متأملاً تلك البقعة من الجغرافيا التي ولد فيها، متسائلاً بمرارة: هل الوطن تراب وحدود فقط ، أم أنه كرامة تمنح للوعي إنسانيته؟
إن الفاجعة الكبرى لا تكمن في شظف العيش، بل في اغتيال المعنى. حين يقضي الإنسان زهرة شبابه، وسنوات من عمره الغالي، متقلباً بين محابر العلم وقاعات المعرفة، يحمل شهادات البكالوريوس والماجستير كأوسمة نصر في معركة الوعي، ثم يصحو ليجد أن هذه الوثائق الرسمية لم تكن سوى شهادات وفاة لطموحه المبكر. في هذه البيئة التي تُقدس الجهل وتُقصي الفكر، يصبح العقل عبئاً على صاحبه، وتتحول المعرفة إلى لعنة تطارد من يحملها.
لقد تحول هذا الفضاء المسمى وطناً إلى آلة عملاقة لطحن الأحلام، ومقبرة جماعية للمواهب والكفاءات. عندما ترى العلم يُركن في زوايا الإهمال، بينما يتصدر المشهد من لا فكر لهم ولا قيمة، تدرك بعين البصيرة أن هذه الأرض لم تعد صالحة لإنبات بذور الغد. إنها بيئة طاردة، تنظر إلى المبدعين والمتعلمين كغرباء، وتجبرهم على العيش في هامش الحياة، مستهلكةً أعمارهم في ركض عبثي وراء بديهيات العيش الكريم.
"إذا غدا الوطن مستنقعاً يغرق فيه الفكر، فإن الرحيل عنه لا يعود خيار،انما يغدو واجباً وجودياً لحماية ما تبقى من شعلة الروح.الهجرة هنا، أو الاغتراب، ليس هروباً من المسؤولية ولا تخلياً عن الجذور، اصبحت سعيٌ غريزي نحو النور. عندما تضيق الأرض بما رحبت على أصحاب العقول والمؤهلات، يصبح حمل الحقائب والمغادرة هو الموقف الفلسفي الوحيد المتبقي لإثبات الذات. فالغربة الجغرافية، مهما بلغت قسوتها ومرارة البعد فيها، تظل أرحم بآلاف المرات من تلك الغربة الروحية والفكرية التي يجرعها المتعلم وهو واقف على عتبات وطنه، منبوذاً، مغيباً، ومجرداً من قيمته.
نغادر وفي القلب غصة، لا كارهين للأرض التي أنبتتنا، بل هاربين من واقع يصر على وأدنا ونحن أحياء. نبحث عن سماء أخرى تحترم إنسانيتنا، وتقدر قيمة ما نحمله في عقولنا من علم ونور، فالأرض بقعة الله الواسعة، وحيثما وجد الإنسان كرامته وتقديراً لفكره، فثمّ موطنه الحقيقي.
