بقلم هيا برماوي
نهضتُ من فراشي على عجل، ونظرتُ إلى ساعتي. كانت تشير إلى السابعة صباحًا.
ككل خريف، في مثل هذا اليوم، يهجرني النوم. لا أدري ماذا أفعل. لم أنم سوى نصف ساعة، وربما أقل. كان صداعٌ حاد يفتك برأسي، لكنني كنت أقاوم ألمي.
إنه اليوم الذي أنتظره طوال العام.
اليوم الذي أراها فيه.
محبوبتي.
لا أدري لماذا لا تظهر لي إلا في آخر الخريف. أشتاق إليها حدّ الوجع. أشتاق أن أحدثها، أن أحتضنها، أن تضع يدها فوق قلبي فيهدأ.
لقد مرّ على حالي هذا خمس سنوات.
خمس سنوات طغى فيها غيابها على حضورها.
لم يتغير شيء.
أصبح كما أمسي، وأمسي كما أصبح.
لا يتغير سوى التاريخ.
في آخر الخريف، وفي هذا اليوم تحديدًا، أذهب إلى نهر القرية فأجدها هناك، تحمل رسالة بيدها.
نجلس معًا على ضفة النهر.
نتبادل الأحاديث والرسائل.
أسرق من حضورها ما يكفيني عامًا كاملًا.
ثم تنهض وترحل.
بلا عنوان.
بلا مكان.
بلا زمان.
تختفي وكأنها لم تكن.
وفي كل رسالة كنت أتوسل إليها أن تبقى.
أن تترك لي عنوانًا.
أن تأتي في الربيع ليزهر قلبي بعد قحط السنين.
أن تأتي في الصيف أو الشتاء.
لكنها لم تكن تفعل.
كانت تأتي مع الخريف فقط.
وترحل معه.
حضّرت قهوتي وجلست إلى منضدتي أكتب رسالتي الجديدة.
لكنني هذه المرة عزمت أمري.
لن أدعها ترحل.
أمسكت قلمي وبدأت أكتب:
“إلى امرأة الخريف…
إلى من سكنت قلبي منذ خمسة أعوام.
أما آن لهذا الانتظار أن ينتهي؟
أما آن لنا أن نلتقي بلا فراق؟
لقد تعبت من الغياب يا حبيبتي.
تعبت من وداع يتكرر كل عام.
ومن حبٍّ لا يملك سوى الرسائل.
لهذا أكتب لك اليوم وأنا أعلم أنني لن أسمح لك بالرحيل من جديد.”
وضعت الرسالة في ظرفها وأغلقتها.
ثم بدأت رحلة الانتظار.
كانت الساعات ثقيلة.
كأن عقارب الساعة قررت أن تعاقبني.
وحين اقترب الغروب، ارتديت معطفي وغادرت المنزل.
عندما وصلت إلى النهر، بدأت ضربات قلبي تتسارع.
رأيتها.
كانت تجلس على الحافة المعتادة.
شعرها الأسود ينساب تحت وشاح داكن.
وقفتُ خلفها للحظات أراقبها.
شعرت بوجودي.
التفتت نحوي.
وابتسمت.
وكانت تلك الابتسامة كافية لتذيب أعوامًا من الانتظار.
نهضت واقتربت مني.
لكنها هذه المرة لم تكتفِ بالتحية.
احتضنتني.
احتضانًا طويلًا.
دافئًا.
وكأنها تودعني.
جلسنا معًا.
تبادلنا الأحاديث والحنين.
ثم مدت يدها إليّ برسالتها.
أخذتها وأعطيتها رسالتي.
قلت لها:
— هذه المرة لن أدعك ترحلين.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم امتلأت عيناها بالحزن.
قالت بصوت مرتجف:
— ليتني أستطيع البقاء إلى جوارك ما بقي من العمر.
ليتني أستطيع قتل الغياب قبل أن يتسلل بيننا.
ثم انهمرت دموعها.
أمسكت يديها وقلت:
— أخبريني فقط… لماذا لا تستطيعين البقاء؟
لم تجب.
نهضت فجأة.
وقالت:
— عليّ أن أرحل.
صرخت بها:
— لا!
لا ترحلي!
ليس هذه المرة!
انتظرتك خمس سنوات!
لكنها لم تلتفت.
أمسكت يدها قبل أن تبتعد.
استدارت نحوي.
وللحظة خاطفة رأيت في عينيها شيئًا غريبًا.
شيئًا لم أفهمه.
شيئًا جعل القشعريرة تسري في جسدي.
نزعت يدها برفق.
ثم مشت نحو الضباب.
ومع كل خطوة كانت تتلاشى أكثر.
حتى اختفت تمامًا.
وكأنها لم تكن هنا أبدًا.
جثوت على ركبتيّ.
أبكي.
وأصرخ باسمها.
لكن النهر وحده كان يجيبني.
وبينما كنت غارقًا في انهياري، سمعت وقع خطوات هادئة خلفي.
التفت.
كان رجلًا عجوزًا.
اقترب ووضع يده على كتفي.
وقال:
— يبدو أن الحب أوجعك كثيرًا يا بني.
أومأت برأسي.
فقال:
— بعض القلوب تبتليها الأقدار بحبٍّ مستحيل.
قلت بصوت مبحوح:
— لماذا ترحل دائمًا؟
نظر نحو الضباب طويلًا.
ثم قال:
— لأن بعض الأرواح لا تنتمي إلى عالمنا.
وقبل أن أسأله أكثر، استدار ورحل.
اختفى بين الأشجار كما لو أن الأرض ابتلعته.
بقيت وحدي.
والرسالة في يدي.
فتحتها بيدين مرتجفتين.
وقلبي يخفق بعنف حتى خشيت أن أسمعه.
كانت رسالة قصيرة جدًا.
قصيرة إلى حدٍ لا يليق بخمس سنوات من الحب والانتظار.
لكنها كانت كافية لتحطم ما تبقى مني
“إلى محبوبي الذي سكن قلبي وعقلي…
لا يجتمع الطين مع النار.
ولو بقيتُ… لقتلوك.”
تجمدت عيناي فوق الكلمات.
وأحسست أن العالم كله أصبح أبعد من أن يُلمس.
أغلقت الرسالة ببطء.
ورفعت بصري نحو السماء.
كانت آخر أوراق الخريف تتساقط فوق النهر.
وحينها فقط أدركت الحقيقة.
أن بعض الأحبة لا يمنعهم البعد.
ولا الفراق.
ولا الزمن.
بل تمنعهم الطرق التي خُلقوا منها.
عدت إلى منزلي تلك الليلة.
أحمل رسالة قصيرة.
ووجعًا طويلًا.
ومنذ ذلك اليوم…
كلما جاء آخر الخريف، ذهبت إلى النهر.
لا أنتظر أن تعود.
بل لأتذكر أنها كانت هنا يومًا.
امرأة أحببتها أكثر مما ينبغي.
رحلت…
دون أن أملك حتى حق وداعها الأخير.
