محكمة الغربان

 


الكاتب بلعربي خالد

في مدينةٍ رمزية تُدعى "وادي الريش الأسود"، كانت الغربان تُفاخر بأن لديها أعرق كلية للعلوم الجنائية، وأن البشر لا يزالون يتخبطون في مبادئ الإثبات التي أتقنتها الغربان منذ قرون.


ذات فجرٍ رمادي، عُثر على غرابٍ نافق قرب شجرة السرو الكبرى. فدعا النائب العام للسرب، المستشار "نعيق بن حدقة"، إلى انعقاد جلسة استثنائية أمام محكمة الغربان العليا.


احتشدت الغربان في دائرة واسعة، لا طلباً للثأر، بل حفاظاً على النظام العام للسرب. وتقدمت وحدة الضبط القضائي، وهي مجموعة من الغربان العجائز، لتأمين مسرح الواقعة ورفع الأدلة البيئية.


قال رئيس المحكمة، القاضي "أسود الجناحين":


ـ "باسم قانون البقاء الجماعي، تُفتتح الجلسة. لا عقوبة بلا دليل، ولا إدانة مع قيام الشك."


وقف الادعاء العام معلناً:


ـ "لدينا قرينة قوية تشير إلى تورط الكائن ذي الوجه العاري، المعروف في سجلاتنا باسم الإنسان."


اعترض محامي الدفاع، الغراب الرمادي:


ـ "القرائن وحدها لا تكفي، واليقين لا يُبنى على الظنون."


عندها استُدعيت هيئة الخبرة الجنائية. فشهدت الغربان الشاهدة بأنها رأت إنساناً يحمل جسد غرابٍ ميت، وأنها رصدت في محيط الحادث آثار خوف وصمت غير مألوفين. كما قدم قسم الذاكرة الجماعية سجلات محفوظة منذ أجيال، تثبت أن وجوه الأعداء لا تسقط بالتقادم.


وبعد المداولة، صدر الحكم:


ـ "حيث إن سبب الوفاة ما زال مجهولاً، وحيث إن مبدأ قرينة البراءة يقتضي عدم نسبة الجريمة إلى مجهول دون بينة قاطعة، تقرر المحكمة حفظ الملف مؤقتاً، مع إدراج وجه الإنسان المذكور ضمن سجل الأشخاص محل المراقبة الوقائية."


ثم أضاف القاضي بصوتٍ هادئ:


ـ "إن وظيفة العدالة ليست الانتقام، بل منع تكرار الخطر."


وكان على غصن قريب يقف رجلٌ يراقب المشهد، ويبتسم ساخراً من خرافة "محكمة الغربان".


لم يكن يعلم أن عشرات العيون السوداء قد أثبتت ملامحه في محاضرها غير المكتوبة، وأن الحكم الحقيقي لم يكن إدانته، بل إدخاله في أرشيف الذاكرة الجماعية.


ومنذ ذلك اليوم، كلما مرّ الرجل في الوادي، ارتفعت صيحات الغربان فوق رأسه، كأنها تنفذ أمراً قضائياً مؤبداً، بينما ظل البشر يعتقدون أن الغربان مجرد طيور... ولم يخطر ببالهم قط أن أكثر القوانين صرامة لا تُكتب بالحبر، بل تحفظها الذاكرة.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology