حنا عبود الناقد والمترجم الكبير .. وداعاً

  


بقلم عزيزة المبارك/سورية 

فجع الوسط الأدبي في مدينة حمص بداية، وفي عموم ثرى الأرض السورية، برحيل الناقد والمترجم الكبير "حنت عبود" وذلك في يوم الثلاثاء الموافق ٢٣/٦/٢٠٢٦.

الكاتب العبود ولد في قرية القلاطية التابعة لمدينة تلكلخ في ريف حمص، يعتبر من أشهر نقاد الأدب والشعر في النصف الثاني من القرن العشرين.

له مؤلفات كتيرة وعديدة في النقد الفكري الفلسفي والسياسي والاقتصاد الأدبي، سأذكر ملخصاً لها فيمايلي:

صدر له في التأليف أربعة عشر كتاباً تناولت المسرح والشعر والنظريات الأدبية.

في الترجمة صدر له خمسة وعشرين كتاباً، عالجت آداب الأمم العالمية وأساطيرها.

له في الترجمات الفلسفية والاجتماعية والسياسية ستة عشر كتاباً، تبحث في الاشتراكية الخيالية و المادية التاريخية وصراع الأفكار.

من ابرز المؤلفات "المدرسة الواقعية في النقد العربي الحديث -مسرح الدوائر المغلقة- النزوحات الكبرى وأثرها في الأدب العربي -واقعية ما بعد الحرب- تفاحة آدم- النحل البري والعسل المر- دراسة في الشعر السوري المعاصر- العلوم الاجتماعية،  وصراع الأفكار في العصر الحديث"تراجم" -موجز تاريخ الفلسفة و القصيدة والجسد، الحداثة عبر التاريخ، فصول من الاقتصاد الأدبي، "دراسات".

برز الكاتب حنا عبود كناقد متميز بنهجه الفكري الذي يركز على الجذور الفكرية والفلسفية للأدب، مبتعداً عن النقد التقليدي والأيدلوجي معتمداً على ثقافته الموسوعية في تحليل النصوص.

سعى لقراءة النتاج الأدبي عبر آليات التحليل الطبقي والاجتماعي، واختار مساراً مختلفاً نسبياً، إذ انصرف إلى البحث في الجذور الفكرية والفلسفية للأدب والثقافة، وركز على النص الأدبي في أعماقه، عند قراءة مؤلفاته الكثيرة يلاحظ القارئ اهتمام العبود الخاص بالأنواع الأدبية وخصائصها الفنية من خلال التأمل فيها، وسعيه لئلا تتحول الأيديولوجيا إلى المرجع الوحيد في النقد وقراءة النصوص. بل نظر إلى الأدب بوصفه فعلاً إبداعياً له قوانينه الداخلية واسئلته الخاصة، التي لا يمكن اختزاله في انعكاس مباشر للواقع بشكل عام والظروف السياسية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه لا يمكن عزله عنه بشكل كامل.

انشغل العبود بقضيتين رئيسيتين ظلتا حاضرتين في معظم أعماله هما:

القضية الأولى "التنوير": رأى فيها شرطاً لتجديد الثقافة المحلية وربطها بالثقافة الإنسانية الأوسع، وجاء منها اهتمامه بالترجمه التي اعتبرها مدخلاً للحوار بين الثقافات وإغناء للمعرفة العربية.

القضية الثانية" الأسطورة والحكايات المؤسسه للثقافات البشرية": اهتم بها وتتبع الحكايات والرموز التي تنتقل بين الشعوب وتتحول عبر الأزمنة ورأى في الأسطورة مفتاحاً لفهم جانب عميق من الوعي الإنساني وتاريخ الأفكار.

ضمن هذا التوجه اتصفت مراجعات الأديب الكبير، بطابع بحثي واضح، إذ لم يكتفي بما هو متداول في الوسط الثقافي السائد، بل سعى للعودة إلى الأصول في التعاطي مع المصطلحات وصولاً إلى جذور المفاهيم والمسارات التاريخية، لذلك اكتسب مشروعه النقدي قيمته الخاصة، فقد جمع بين المعرفة الأدبية الواسعة، والانفتاح على الفكر العالمي، والرغبة الدائمة في مساءلة المسلمات وإعادة فحصها من منطلق علمي وثقافي رصين.

العبود لم يكن معزولاً عن الواقع السوري، فهو صاحب موقف معلن ضد الاستبداد، وقد كان من أوائل الموقعين على بيان ال" ٩٩"، الذي يطالب بإلغاء الأحكام العرفية وإطلاق سراح معتقلي الرأي، والحماية القانونية لحرية التعبير عام ٢٠٠٠.

وفي رؤيته لمفهوم الحرية والتاريخ السياسي، أكد أن التاريخ لا يثبت بقاء القمع بشكل أبدي، وأن السلطة نفسها تقوم على التداول؛ لا على الثبات، رافضاً ديمومة زمن الرعب، وقد أشار في حوار صحافي بعد أن تأكدت إصابته بالمرض العضال، إلى أن الأدب لا يموت تحت السلطة القامعة، بل يتغير شكله، وأنه يظهر أحياناً عبر الكتابة السرية أو غير المعلنة في العتمة، لكنه يبقى محتفظاً على قدرته في الاستمرار، موضحاً أن بعض الأنظمة قد تسمح بما لا يشكل تهديداً لها، بينما تقمع أب خطاب يمس السلطة أو البنية السياسية.

أيها القامة العظيمة الأديب المخضرم... ترجلت عن عرش الإبداع وتركت قرطاسك على ضفاف الحسرات، وأفلت يراعك في وادي الآهات من مفارقة أناملك.. بكتك المحبرة والدواة، بعد أن قدمت لنا تراثاً نفتخر به. كم هي الخسارة كبيرة ضريبة رحيلك، وكم هو المكسب عظيم بالإرث الثقافي والإنساني الذي خلفته لنا وراءك.. مهما خطت الأقلام لن تؤتيك قدر حقك وستكون عاجزة عن إختصار مسيرتك العابقة والعامرة في مقال واحد. لروحك النقية في عليائه..ألف سلام ورحمه..أرقد في هدوء.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology