بقلم سليم النجار
لم اتوقع ان يأتي يوم تُرهق فيه نفسي إلى هذا الحد، احمل بين ضلوعي حكايات رفضت الجبالُ حملها، كأنها امانات يجب أن لا تسقط٠ ضياع فلسطين وقبل ذلك لواء الاسكندران والمحمرة، وقبل هذا وذاك ذهاب الأندلس إلى غير رجعة٠
ان مشروع رواية " أيها الغادي ٠٠٠ إلى اين؟ " لم يكن مجرد تفكير في انشاء سردية تخترق الأنساق السائدة وتتجاوز ايقاعات السرد الموجودة داخل الثقافة العربية وإنما كان تفكيره عبر سردية المقاربة في قراءة الواقع العربي وتوجيه سهام النقد له من أجل إعادة التفكير في النظم القيمية السائدة في عالمنا العربي٠
يبرز البناء الدرامي في رواية " أيها الغادي٠٠٠ إلى اين،" للكاتب يحيى حمدان بوصفها حاملاً للمعنى من خلال حبكة تبدو في ظاهرها كلها رمية غير متوقعة أو مفاجئة، لكن تأمل بنيته السردية يكشف دراميةًمدروسة يمهّد لها الكاتب بوعي فني٠
رواية " أيها الغادي٠٠ إلى اين؟" وظفت السياق الروائي باستخدام تقابل ثنائي بسيط، فإن تنويع السياقات سيمكننا من إجراء استبدالات اخصب للمضامين، كما يسمح لنا بالدفع بالتحليل إلى مداه الأقصى، و " خارج بغداد، وفي الطرف الغربي منها، بعيداً عن البيوت التي تنتهي بها المدينة كنت أسير هناك وحيداً ص٨"٠ في المقابل لهذا السياق توظيف التاريخ على اعتباره قيمة للحكاية التي كانت عبر الكون الصراع مع العدو، أي كانت صفة هذا العدو، فالصراع لا ينفصل عن الذات المدركة، وداخل كل عنصر داخل هذا الكون المحسوس هو عنصر داخل ثقافة، وأي استعمال للأشياء وللكائنات هو استعمال ثقافة،" وأضاف قائلا: إن الناس، إن الفوا رؤية الحاكم عن قرب، وحادثوه بأمن وأفرغوا شطف عيشهم له ص٥٤"٠
كما سعى الكاتب يحيى حمدان تكسير التتابع للسرد الروائي الخاص بالوظائف- ورفض إن تكون الحكاية باعتبارها تتابعا، فالتتابع خادع وليس إلا وهما ظاهريا، فلجأ الكاتب إلى التناظرات الداخلية،"هارون الرشيد -
قلت لمسرور: بعد أن ارتكز على قدميه، جالساً القرضاء، مثل أسد ينوي الوثوب على فريسته ص ٨٠"٠ واستنادا إلى سرد الكاتب لجأ إلى إسقاطات استبدالية تغطي السير التوزيعي للحكاية،" جبار-
إن الجمع للأموال والقوة والسلطة؛ هو الحياة لينكسر عند مُنحيات العمر ونهاياته إن الخطى كانت منذ بداياتها عاثرة، وأن الفكرة السوداء، والمحللة بما يُزينها، لا تحتوي سوى السراب والعتمة ص٧٢"٠
نحن في رواية " أيها الغادي٠٠ إلى اين" أمام شكل تصويري للحكي، ومتميز هذا الشكل بحضور ممثلين يقدمون المضمون الحكائي للرواية٠ ويتميز هذا المستوى من الحكي السردي العميق، من حيث إن التميز بين العوامل التاريخية وشخوص الروائية يتطابق مع التميز بين مجموع العلاقات الرابطة بين التاريخ الأجتماعي والبنية السردية التي تحكم الرواية،" جبار -
ثم قال : نحن جئنا إلى هذه البلاد لرفعتها ورفعة أبنائها، ورفع الظلم من شعبها، ودفع البلاد لتكون المركز والمحور الوحيد في الشرق. الأوسط ص٨٤"٠ وإذا كان السلوك الإنساني السياسي شكل من الأشكال البسيطة للحكاية ومولدة تنوع مختلف عليه في القراءة التاريخية لتاريخنا العربي، فإن السرد يناقش دون انحياز لطرف من الأطراف المختلفة، ويقوم بعملية بوصف سطحي للنشاط الإنساني في مستواه العميق،" هارون رشيد-
جعفر البرمكي في حيرة وشك: بدا واضحاً على الخليفة، أنه يُخطط لأمر ما ينوي القيام به، ص٦٦"٠
إن التعبير عن الرغبة في حالة العلاقة بين الذات وموضوعها، في ظل غياب موضوع مرغوب فيه لا مجال للحديث عن ذات أو رغبة،" قال : هذا المال سياعدك في تحويل ولاء جنودكم إليك مُباشرة، وبه تتخلص من سليم وقيادته، وعليك أن تبدأ من اليوم في ذلك ص٨٨"٠
ولتتبع مسارات اشتغال ذاكرة الرواي في رواية " أيها الغادي٠٠ إلى اين؟" للروائي يحيى حمدان في تمثيل " سردية الصراع" التاريخي في ثقافتنا العربية، إذ لعبت السردية في الكشف من رؤية الكاتب يحيى حول الصراع الذي أدى إلى هزيمة سواء في العهد العباسي أو سقوط بغداد، وفي كلا الحالتين استحضر الكاتب علاقة الذكراة بالسرد واستدعاء الحوار،" حوار بين الكاتب وبطل الرواية-
جبار غاضباً يسأل الكاتب٠
لماذا جعلتني أتحوال إلى خائن وأنا لست كذلك؟
الكاتب: انا لست محض إبداع مني، ومن وحي خيالي، وأضعك حيث اريد وكما اريد، ولست انت بطانة لي، لتفرض أو تقترح عليّ أين وكيف تكون في الرواية؟٠
اخرج الكاتب يحيى حمدان في روايته" أيها الغادي٠٠ إلى اين؟" من قلمه شفيرة حادة، وقطع أجزاء من التاريخ لنافذة مبصرة٠
