بقلم زاهر الأسعد - فلسطين
لا بديلَ عن الحياةِ سوى الحياة
غير أن الصمتَ إن طال
لا يلدُ الصوت
يلدُ العتمةَ ويُطلق لسانها
فمن يوصل الفكرة
والآن يهرب من يديه
في صبا الأمس
غرفةٌ تتنفّس جدرانها
كتابٌ بلا عنوان شرّع أبوابه للريح فاتّسع
شمعةٌ تتقشّر لتقول للنار
الجسدُ فائض
بابٌ يسعل
وأمٌّ تصبّ الماء فوق الجمر
لا ليموت
ليتعلم السهر
قالت والليل يتقشّر عن صدرها
لا تُكثر الكلام
دعِ النارَ تعرفك
إن عرفتك صرتَ حطبها
وإن جهلتك صرتَ حطباً بلا نار
فاختر أن تكون الذي لا يُرى كي تراك
في مقهى المدينة
رجلٌ يشرح الحريةَ على طاولةٍ عارية الكتفين
والنادل يبتسم ابتسامةً تسبقه إلى الباب
ويقول
الشرحُ نهرٌ يصل
فيموت
تعلّمتُ هناك
أن الإشارةَ إن صمتت فتحت أبواباً بلا مفاتيح
وأن النادلَ يخبّئ تحت لسانه
خرائطَ الليل لمن ضلّوا طريق العودة
من يوصل الفكرة
والفكرة طائرٌ بلا قفص
ربما العابرُ يترك غبارَ خطاه على كتفك
فتظل تبحث في الغبار عن وجهك
ربما العجوزُ تضحك وفي عينيها ماءٌ لا يسقط
تقول
لا تصحّح الغيم
الغيم لا يُنسى
أنت الذي جفّفت مطرك قبل أن تبتلّ يداك
ربما طفلٌ يركض لا إلى أحد
فيمنحك وجهته
وربما أنت
حين تتذكر أنك لم تُجبل للإجابة
فتسير في العتمة بلا ظل
والسراجُ الذي ينبت الأملَ لا يحمي
يعلّم الريحَ أن تهب
يعلّم الجرحَ أن يلمع
يعلّم الحزنَ أن يسير أمامك بشيراً
فإن سحبك
صار قبراً يتحرّك
تعود الذكرى كحجرٍ أعمى يبصر بالصدمة
اجمع شتاتك من رمادك
فالنار لا تُجمع إلا بعد فناء لهيبها
ضع رأسك على تعبك
الأملُ ذاكرةُ الغد
التي لا تتذكّرها إلا حين تنساها
الحياة لا تعد
تحفر فيك لتسأل العظام
أأنتم هيكلٌ أم فكرة عن هيكل
وتترك السؤال مفتوحاً كي تكون أنت الجواب
وحين تهمّ بالصراخ
تجد أن الصرخةَ صلاةُ الذين نسوا الحروف
سراجٌ من نداءات بلا صوت
يبنيه القلب من الهواء المتساقط
حين حاولت أن تسمّي ما ليس له إلا صمته
من يكون السراج
ليس الذي يقول اتبعني
بل الذي يمشي لتسمع خطوك أنت
ليس الذي يجادل الزيف
بل الذي يمرّ أمام المرآة فلا تراه
فينكسر الزيف من تلقاء نفسه
الذي حين يراك تلهث
لا يعلّمك الشهيق
يعلّمك الزفير
وحده الزفير يُقنع الجسد بالثقة في الهواء الراحل
ينهضون
الذين حملوا آلامهم
لأن النار عرفتهم واشتبهت فيهم
فتركتهم نصف رماد ونصف ضوء
نارُ الفقد تترك الشيء وحيداً كسؤال بلا لغة
نارُ الخيبة تدع الجواب يبحث عن سؤاله مقلوباً
نارُ الحزن تبيّض الصوت
لتسمع ما لا يُقال
حينها تصير الحياة مسافةً تُقطع بلا قدمين
وتصير الفكرة جوعاً يأكل ذاته كي يبقى
ويصير الأمل ريحاً تهدم كل سراج
ليقوم سراجٌ يشبه هدمه
أما الغموض
فقفلٌ بلا باب
مفتاحه المسافة بين قارئين
يمشيان في اتجاهين فيلتقيان في النص لا في المعنى
لا تطلب السطح ولا العمق
كن كالماء
إن ترجمك الماءُ صرتَ نبعاً
وإن ترجمته صرتَ ظمأً يشرح الماء للماء
ثم قل
الآن أفهم
فوق ما أفهم ودون ما أفهم
تماماً كالتنفس بلا لماذا
في النهاية لا بديل عن الحياة سوى الحياة
لكن ربما تنسى أنها حياة فتموت قليلاً
وهذا الموت القليل هو معراجها
إن وجدنا الذين يوصلون الفكرة
بلا ضجيج ولا سكوت
بلا فرح ولا حزن
فالضدان طينها
والفكرة أنفاسٌ بين طينتين
يبنون لنا سراجاً من السؤال الذي لم يُخلق بعد
ويزرعون فينا الأمل يتيماً بلا يتم
فراغاً يلد كل ليلة سماءً لا تشبه الامتلاء
اقرأ هذا السفر كما يكسر الجائع خبزاً فيفوح الضوء
اقرأ كما تمشي لا إلى غاية
بل إلى خطوتك
فالخطوة التالية هي الأمل
هي السراج
هي القصيدة التي لن تكتمل
لأن الكلمة حين تبلغ أقصاها تموت
وهذه الكلمات اختارت أن تظل
في الطريق إليك
لكن بعض الطرق تُولد من خطو من لا يسير
وبعض المسافات بين قارئين
تتسع كي تضيق بالمعنى
فلا النص يخلص من قارئه
ولا القارئ يخلص من ظله
وهنا بالتحديد
حيث لا أحد يقرأ
وحيث الكل يقرأ
يقف الشيء الذي لا يشبه إلا غيابه
منتظراً أن تصل
لا لتقرأ
بل لتكون القراءة
