الكاتب بلعربي خالد
ذاكرة الالم
كانت عيناي تغرورقان بالدموع وأنا أتهيأ لسرد حكايتي. لم يكن الأمر مجرد رواية لأحداث مضت، بل كان استدعاءً لجراح دفنتها السنوات تحت ركام الصمت. وكلما هممت بالكلام، عادت إليّ المشاهد كما لو أنها تُعرض أمامي الآن، لقطةً بلقطة، وتفصيلًا بتفصيل. حتى إنني أحيانًا أتساءل: كيف ما زلت أملك الشجاعة لأتذكر؟ وكيف ما زلت أملك القدرة على الحكي؟ فثمة أوجاع لو مرت على إنسان آخر ربما سلبته عقله أو حياته.
اسمي مديحة، وهو اسمي الحقيقي. لم أفكر يومًا في أن أختبئ خلف اسم مستعار، لأن اسمي يحمل كل ذكرياتي، حلوها ومرّها، ويحمل آثار تلك الفتاة التي كنتها يومًا.
تزوجت وأنا في السابعة عشرة من عمري. كان الزواج المبكر أمرًا مألوفًا في قريتنا؛ فالدراسة لم تكن ضمن أولويات أغلب الأسر آنذاك. كانت الحياة قاسية إلى درجة أن الجميع يفكر في العمل قبل أي شيء آخر. ومع ذلك، كنت أوفر حظًا من أخواتي، إذ تمكنت من متابعة دراستي لبعض الوقت، بينما اضطرت الأخريات إلى تركها مبكرًا.
كنا ثلاث بنات وولدين، جميعنا في عمر الشباب. وكان أبي يعيش هاجسًا لا يفارقه؛ هاجس الخوف من تلك السنوات السوداء التي ابتلعت البلاد. لم يكن يرى في تزويج بناته سوى وسيلة لحمايتهن من المجهول الذي كان يتربص بالجميع. آنذاك كنت أظنه يكرهنا، وأحسب أنه يريد التخلص منا، لكنني مع مرور الزمن أدركت أن الخوف كان يحكمه أكثر مما يحكمه القلب.
زوج أختي الكبرى لرجل متزوج وله طفلان، رغم رفضها الشديد. أما أختي فتيحة، فقد زُفت إلى ولاية بعيدة يحتاج الوصول إليها يومًا كاملًا من السفر. ثم جاء دوري.
زوجني أبي لرجل يكبرني بخمسة عشر عامًا.
في البداية شعرت بأن العالم ينهار فوق رأسي. رفضت الفكرة بكل ما أملك من قوة، لكن سلطة أبي كانت أقوى من رفضي، وأشد من دموعي. ولم يكن أمامي سوى القبول.
كان ذلك في زمنٍ أصبحت فيه أخبار الموت جزءًا من الحياة اليومية. نستيقظ على خبر رجل وُجد مقتولًا قرب الوادي، وننام على قصة شاب اختُطف ولم يعد. كانت أسماء النساء تختفي فجأة من القرى، وكانت عائلات بأكملها تُباد في ليلة واحدة.
حتى الآن، وأنا أروي هذه الكلمات، أشعر بأنفاسي تضيق.
في تلك الأيام كان الخوف سيد البيوت والطرقات والقلوب.
أما ليلة زفافي، فلم تكن ليلة فرح كما يتخيل الناس، بل كانت ليلة رعب حقيقي.
في الليلة الأولى التي دخلت فيها بيت زوجي، داهم المكان نحو خمسة عشر رجلًا مسلحًا. لم أر وجوههم بوضوح، لكن أصواتهم ورائحة البارود التي كانت تسبقهم جعلتني أشعر وكأن الموت نفسه قد دخل البيت.
جلسوا وأكلوا وشربوا، ثم أخذوا جهاز العروس الذي جلبته معي، معتبرين أن جماعتهم أحق به منا.
والمفارقة المؤلمة أنني حمدت الله حينها لأنهم اكتفوا بذلك.
فرحت لأنهم أخذوا الجهاز فقط، ولم يأخذوا شيئًا آخر.
كان زوجي قد بنى غرفتين صغيرتين متجاورتين، وأحاطهما بباب حديدي ثقيل. سكنت فيهما مباشرة بعد الزواج. وفي ذلك الزمن لم تكن امرأة تقبل السكن وحدها مهما كان السبب، فالخوف كان يسكن الجدران قبل أن يسكن القلوب.
كان زوجي يعمل في الفلاحة مع أربعة من رفاقه، وكانوا يخرجون مع الفجر إلى الحقول، بينما أبقى أنا خلف الباب الحديدي، أراقب الساعات بقلق، وأنتظر عودتهم كما ينتظر الغريق ظهور اليابسة في الأفق...
