مَدِينَةُ الْمَوَاوِيلِ

 


 بقلم بهيجة البعطوط _تونس

فِي أَقْصَى الْجِهَاتِ الَّتِي لَا تَصِلُهَا الْخَرَائِطُ، كَانَتْ هُنَاكَ مَدِينَةٌ تُدْعَى «مَدِينَةَ الْمَوَاوِيلِ».

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَتَى بُنِيَتْ وَلَا مَنْ أَوَّلُ عَاشِقٍ سَكَنَهَا ولَكِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهَا الْمَدِينَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي لَا تُضَاءُ بِالْمَصَابِيحِ… بَلْ بِالْحَنِينِ.

كَانَتْ فُصُولُهَا مُخْتَلِفَةً عَنْ كُلِّ مُدُنِ الْأَرْضِ.

فَفِي الشِّتَاءِ تُمْطِرُ السَّمَاءُ رَسَائِلَ لَمْ تُرْسَلْ تَحْمِلُ أَجْمَلَ عِبَارَاتَ  العِشْقِ. وَفِي الرَّبِيعِ تَتَفَتَّحُ عَلَى الْجُدْرَانِ أَسْمَاءُ الَّذِينَ أَحَبُّوا بِصَمْتٍ أَمَّا فِي «فَصْلِ الْعِشْقِ» وَهُوَ أَطْوَلُ فُصُولِهَا  كَانَتِ الْأَزِقَّةُ تَمْتَلِئُ بِأَرْوَاحٍ تَبْحَثُ عَمَّنْ يُشْبِهُ ارْتِجَافَ فُؤَادِهَا.

فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنِ الْحُبُّ عِلَاقَةً بَيْنَ شَخْصَيْنِ… بَلْ طَرِيقًا صُوفِيًّا طَوِيلًا نَحْوَ مَعْرِفَةِ الذَّاتِ.

كَانُوا يَقُولُونَ:

«أَنَّ كُلُّ عَاشِقٍ لَا يَبْحَثُ عَنِ الْآخَرِ… بَلْ عَنِ الْجُزْءِ الضَّائِعِ مِنْهُ دَاخِلَهُ.»

لِهَذَا كَانَ الْغُرَبَاءُ يَتَعَارَفُونَ هُنَاكَ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ.

يَمُرُّ أَحَدُهُمْ قُرْبَ الْآخَرِ فَيَشْعُرُ فَجْأَةً أَنَّ قَلْبَهُ تَذَكَّرَ شَيْئًا قَدِيمًا… شَيْئًا أَقْدَمَ مِنَ الْعُمُرِ نَفْسِهِ.

فِي مَقْهًى يُطِلُّ عَلَى نَهْرٍ أَسْوَدَ يُسَمَّى "نَهْرَ السَّاهِرِينَ"  يَجْلِسُ رَجُلٌ عَجُوزٌ يُطْلِقُونَ  عَلَيْه "حَافِظِ الْحِكَايَاتِ"

كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِيهِ الْعُشَّاقُ لِيَحْكُوا قِصَصَهُمْ  فَيَكْتُبُهَا بِحِبْرٍ أَزْرَقَ دَاخِلَ دَفَاتِرَ جِلْدِيَّةٍ  ثُمَّ يَضَعُهَا فِي قَبْوٍ عَمِيقٍ تَحْتَ الْمَدِينَةِ.

كَانَ يَقُولُ لَهُمْ دَائِمًا:

«الْحُبُّ الَّذِي لَا يُرْوَى… يَمُوتُ مَرَّتَيْنِ.»

وَمِنْ بَيْنِ آلَافِ الْحِكَايَاتِ بَقِيَتْ ثَلَاثُ قِصَصٍ لَا يَنْسَاهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ.

الْحِكَايَةُ الْأُولَى كَانَتْ عَنْ شَابٍّ ضَرِيرٍ أَحَبَّ فَتَاةً تَعْمَلُ فِي بَيْعِ الْعُطُورِ…

لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَكْلَهَا لَكِنَّهُ  يَقُولُ: إِنَّ رُوحَهَا تُشْبِهُ رَائِحَةَ الْمَطَرِ إِذَا مَرَّ فَوْقَ حُقُولِ اللَّيْمُونِ.

تًعَوَّدَتْ أَنْ  تَجْلِسُ قُرْبَهُ كُلَّ مَسَاءٍ وَتَصِفُ لَهُ الْعَالَمَ مِثْلَ لَوْنَ الْغُرُوبِ.. ارْتِبَاكَ الطُّيُورِ.. وَكَيْفَ يَبْدُو الْبَحْرُ حِينَ يَغْضَبُ.

وَذَاتَ يَوْمٍ سَأَلَتْهُ:

أَلَا تَخَافُ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحْبَبْتَ صُورَةً اخْتَرَعْتَهَا أَنْتَ؟

فَابْتَسَمَ وَقَالَ:

كُلُّ الْحُبِّ اخْتِرَاعٌ جَمِيلٌ… نَحْنُ لَا نُحِبُّ النَّاسَ كَمَا هُمْ بَلْ كَمَا يَهْتَزُّونَ دَاخِلَ أَرْوَاحِنَا.

وَحِينَ مَاتَتِ الْفَتَاةُ بِمَرَضٍ مُفَاجِئٍ فَقَدَ الشَّابُّ قُدْرَتَهُ عَلَى سَمَاعِ الْأَصْوَاتِ أَيْضًا كَأَنَّ الْعَالَمَ بَعْدَ صَوْتِهَا صَارَ فَائِضًا عَنِ الْحَاجَةِ.

أَمَّا الْحِكَايَةُ الثَّانِيَةُ فَكَانَتْ عَنْ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُؤْمِنُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَتَنَاسَخُ عَبْرَ الْحُبِّ فَكُلَّمَا رَأَتْ رَجُلًا شَعَرَتْ أَنَّهَا قَابَلَتْهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ..مَرَّةً فِي هَيْئَةِ بَحَّارٍ وَمَرَّةً شَاعِرٍ أَنْدَلُسِيٍّ وَمَرَّةً نَاسِكٍ  زَاهِدٍ فِي مَعْبَدٍ قَدِيمٍ.

وَفِي لَيْلَةٍ مُمْطِرَةٍ الْتَقَتْ بِرَجُلٍ غَرِيبٍ عِنْدَ بَابِ الْمَدِينَةِ فَمَا إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا حَتَّى بَكَى بِحُرْقَةٍ وَقَالَ لَهَا:

أَعْرِفُكِ… لَكِنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُ مِنْ أَيِّ حَيَاةٍ.

فَعَرَفَتْ أَنَّهُ الشَّخْصُ الَّذِي ظَلَّتْ رُوحُهَا تُطَارِدُهُ لِسِنِينَ.

عَاشَا مَعًا سَنَوَاتٍ قَصِيرَةً لَكِنَّهُمَا لَمْ يَتَزَوَّجَا  لِأَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّ الْحُبَّ إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى عَادَةٍ فَقَدَ شَيْئًا مِنْ قَدَاسَتِهِ الْأُولَى.

أَمَّا الْحِكَايَةُ الثَّالِثَةُ… فَكَانَتِ الْأَكْثَرَ غَرَابَةً.

شَابٌّ أَحَبَّ فَتَاةً لَمْ يَرَهَا قَطُّ.

كَانَ يَسْمَعُ صَوْتَهَا فَقَطْ كُلَّ فَجْرٍ مِنْ نَافِذَةِ بَيْتٍ قَدِيمٍ.

كَانَتْ تُغَنِّي مَوَاوِيلَ حَزِينَةً تَجْعَلُ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا تَسْتَيْقِظُ بِقُلُوبٍ مُرْتَجِفَةٍ.

بَحَثَ عَنْهَا طَوِيلًا لَكِنَّ أَحَدًا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا.

قَالَ لَهُ حَافِظُ الْحِكَايَاتِ يَوْمًا:

بَعْضُ الْأَرْوَاحِ لَا تَأْتِي لِتُمْتَلَكَ… بَلْ لِتُوقِظَ شَيْئًا نَائِمًا فِيكَ.

لَكِنَّ الشَّابَّ رَفَضَ التَّصْدِيقَ.

ظَلَّ سَنَوَاتٍ يَتْبَعُ الصَّوْتَ حَتَّى صَارَ هَزِيلًا كَشَمْعَةٍ تَحْتَرِقُ مِنْ طَرَفَيْهَا.

وَفِي صَبَاحٍ شِتْوِيٍّ اخْتَفَى.

بَعْدَهَا بِأَيَّامٍ اكْتَشَفَ النَّاسُ أَنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَكُنْ يَأْتِي مِنْ بَيْتٍ أَصْلًا… بَلْ مِنَ النَّهْرِ نَفْسِهِ.

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَارَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النَّهْرَ يَحْتَفِظُ بِأَصْوَاتِ الْعُشَّاقِ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أَحِبَّتَهُمْ.

وَمَعَ مُرُورِ السِّنِينَ بَدَأَتِ الْمَدِينَةُ تَتَغَيَّرُ.

النَّاسُ صَارُوا أَسْرَعَ… أَقَلَّ إِصْغَاءً لِقُلُوبِهِمْ  وَأَكْثَرَ خَوْفًا مِنَ الْحُبِّ.

أَغْلَقَ حَافِظُ الْحِكَايَاتِ مَقْهَاهُ وَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِي:

«الْعَالَمُ لَا يَمُوتُ حِينَ تَخْتَفِي الْحَقِيقَةُ… بَلْ حِينَ يُصْبِحُ الْعِشْقُ أَمْرًا مُحْرِجًا.»

ثُمَّ رَحَلَ.

وَفِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ فَصْلِ الْعِشْقِ حَدَثَ أَمْرٌ لَمْ يَحْدُثْ مِنْ قَبْلُ.

تَوَقَّفَتِ السَّمَاءُ عَنْ إِنْزَالِ كَلِمَاتِ الْحُبِّ…

وَانْطَفَأَتِ النَّوَافِذُ الزَّرْقَاءُ.

وَسَكَتَ النَّهْرُ.

حِينَئِذٍ فَقَطْ فَهِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْحَقِيقَةَ الْمُرْعِبَةَ:

أَنَّ الْمَدِينَةَ لَمْ تَكُنْ مَكَانًا أَصْلًا… بَلْ كَانَتْ تُولَدُ كُلَّ مَرَّةٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ كَانَ الجَوَى سَبَبُ عَذَابَهِمَا دُونَ لِقَاءْ.مَدِينَةُ الْمَوَاوِيلِ


فِي أَقْصَى الْجِهَاتِ الَّتِي لَا تَصِلُهَا الْخَرَائِطُ، كَانَتْ هُنَاكَ مَدِينَةٌ تُدْعَى «مَدِينَةَ الْمَوَاوِيلِ».

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَتَى بُنِيَتْ وَلَا مَنْ أَوَّلُ عَاشِقٍ سَكَنَهَا ولَكِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهَا الْمَدِينَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي لَا تُضَاءُ بِالْمَصَابِيحِ… بَلْ بِالْحَنِينِ.

كَانَتْ فُصُولُهَا مُخْتَلِفَةً عَنْ كُلِّ مُدُنِ الْأَرْضِ.

فَفِي الشِّتَاءِ تُمْطِرُ السَّمَاءُ رَسَائِلَ لَمْ تُرْسَلْ تَحْمِلُ أَجْمَلَ عِبَارَاتَ  العِشْقِ. وَفِي الرَّبِيعِ تَتَفَتَّحُ عَلَى الْجُدْرَانِ أَسْمَاءُ الَّذِينَ أَحَبُّوا بِصَمْتٍ أَمَّا فِي «فَصْلِ الْعِشْقِ» وَهُوَ أَطْوَلُ فُصُولِهَا  كَانَتِ الْأَزِقَّةُ تَمْتَلِئُ بِأَرْوَاحٍ تَبْحَثُ عَمَّنْ يُشْبِهُ ارْتِجَافَ فُؤَادِهَا.

فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنِ الْحُبُّ عِلَاقَةً بَيْنَ شَخْصَيْنِ… بَلْ طَرِيقًا صُوفِيًّا طَوِيلًا نَحْوَ مَعْرِفَةِ الذَّاتِ.

كَانُوا يَقُولُونَ:

«أَنَّ كُلُّ عَاشِقٍ لَا يَبْحَثُ عَنِ الْآخَرِ… بَلْ عَنِ الْجُزْءِ الضَّائِعِ مِنْهُ دَاخِلَهُ.»

لِهَذَا كَانَ الْغُرَبَاءُ يَتَعَارَفُونَ هُنَاكَ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ.

يَمُرُّ أَحَدُهُمْ قُرْبَ الْآخَرِ فَيَشْعُرُ فَجْأَةً أَنَّ قَلْبَهُ تَذَكَّرَ شَيْئًا قَدِيمًا… شَيْئًا أَقْدَمَ مِنَ الْعُمُرِ نَفْسِهِ.

فِي مَقْهًى يُطِلُّ عَلَى نَهْرٍ أَسْوَدَ يُسَمَّى "نَهْرَ السَّاهِرِينَ"  يَجْلِسُ رَجُلٌ عَجُوزٌ يُطْلِقُونَ  عَلَيْه "حَافِظِ الْحِكَايَاتِ"

كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِيهِ الْعُشَّاقُ لِيَحْكُوا قِصَصَهُمْ  فَيَكْتُبُهَا بِحِبْرٍ أَزْرَقَ دَاخِلَ دَفَاتِرَ جِلْدِيَّةٍ  ثُمَّ يَضَعُهَا فِي قَبْوٍ عَمِيقٍ تَحْتَ الْمَدِينَةِ.

كَانَ يَقُولُ لَهُمْ دَائِمًا:

«الْحُبُّ الَّذِي لَا يُرْوَى… يَمُوتُ مَرَّتَيْنِ.»

وَمِنْ بَيْنِ آلَافِ الْحِكَايَاتِ بَقِيَتْ ثَلَاثُ قِصَصٍ لَا يَنْسَاهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ.

الْحِكَايَةُ الْأُولَى كَانَتْ عَنْ شَابٍّ ضَرِيرٍ أَحَبَّ فَتَاةً تَعْمَلُ فِي بَيْعِ الْعُطُورِ…

لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَكْلَهَا لَكِنَّهُ  يَقُولُ: إِنَّ رُوحَهَا تُشْبِهُ رَائِحَةَ الْمَطَرِ إِذَا مَرَّ فَوْقَ حُقُولِ اللَّيْمُونِ.

تًعَوَّدَتْ أَنْ  تَجْلِسُ قُرْبَهُ كُلَّ مَسَاءٍ وَتَصِفُ لَهُ الْعَالَمَ مِثْلَ لَوْنَ الْغُرُوبِ.. ارْتِبَاكَ الطُّيُورِ.. وَكَيْفَ يَبْدُو الْبَحْرُ حِينَ يَغْضَبُ.

وَذَاتَ يَوْمٍ سَأَلَتْهُ:

أَلَا تَخَافُ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحْبَبْتَ صُورَةً اخْتَرَعْتَهَا أَنْتَ؟

فَابْتَسَمَ وَقَالَ:

كُلُّ الْحُبِّ اخْتِرَاعٌ جَمِيلٌ… نَحْنُ لَا نُحِبُّ النَّاسَ كَمَا هُمْ بَلْ كَمَا يَهْتَزُّونَ دَاخِلَ أَرْوَاحِنَا.

وَحِينَ مَاتَتِ الْفَتَاةُ بِمَرَضٍ مُفَاجِئٍ فَقَدَ الشَّابُّ قُدْرَتَهُ عَلَى سَمَاعِ الْأَصْوَاتِ أَيْضًا كَأَنَّ الْعَالَمَ بَعْدَ صَوْتِهَا صَارَ فَائِضًا عَنِ الْحَاجَةِ.

أَمَّا الْحِكَايَةُ الثَّانِيَةُ فَكَانَتْ عَنْ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُؤْمِنُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَتَنَاسَخُ عَبْرَ الْحُبِّ فَكُلَّمَا رَأَتْ رَجُلًا شَعَرَتْ أَنَّهَا قَابَلَتْهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ..مَرَّةً فِي هَيْئَةِ بَحَّارٍ وَمَرَّةً شَاعِرٍ أَنْدَلُسِيٍّ وَمَرَّةً نَاسِكٍ  زَاهِدٍ فِي مَعْبَدٍ قَدِيمٍ.

وَفِي لَيْلَةٍ مُمْطِرَةٍ الْتَقَتْ بِرَجُلٍ غَرِيبٍ عِنْدَ بَابِ الْمَدِينَةِ فَمَا إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا حَتَّى بَكَى بِحُرْقَةٍ وَقَالَ لَهَا:

أَعْرِفُكِ… لَكِنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُ مِنْ أَيِّ حَيَاةٍ.

فَعَرَفَتْ أَنَّهُ الشَّخْصُ الَّذِي ظَلَّتْ رُوحُهَا تُطَارِدُهُ لِسِنِينَ.

عَاشَا مَعًا سَنَوَاتٍ قَصِيرَةً لَكِنَّهُمَا لَمْ يَتَزَوَّجَا  لِأَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّ الْحُبَّ إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى عَادَةٍ فَقَدَ شَيْئًا مِنْ قَدَاسَتِهِ الْأُولَى.

أَمَّا الْحِكَايَةُ الثَّالِثَةُ… فَكَانَتِ الْأَكْثَرَ غَرَابَةً.

شَابٌّ أَحَبَّ فَتَاةً لَمْ يَرَهَا قَطُّ.

كَانَ يَسْمَعُ صَوْتَهَا فَقَطْ كُلَّ فَجْرٍ مِنْ نَافِذَةِ بَيْتٍ قَدِيمٍ.

كَانَتْ تُغَنِّي مَوَاوِيلَ حَزِينَةً تَجْعَلُ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا تَسْتَيْقِظُ بِقُلُوبٍ مُرْتَجِفَةٍ.

بَحَثَ عَنْهَا طَوِيلًا لَكِنَّ أَحَدًا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا.

قَالَ لَهُ حَافِظُ الْحِكَايَاتِ يَوْمًا:

بَعْضُ الْأَرْوَاحِ لَا تَأْتِي لِتُمْتَلَكَ… بَلْ لِتُوقِظَ شَيْئًا نَائِمًا فِيكَ.

لَكِنَّ الشَّابَّ رَفَضَ التَّصْدِيقَ.

ظَلَّ سَنَوَاتٍ يَتْبَعُ الصَّوْتَ حَتَّى صَارَ هَزِيلًا كَشَمْعَةٍ تَحْتَرِقُ مِنْ طَرَفَيْهَا.

وَفِي صَبَاحٍ شِتْوِيٍّ اخْتَفَى.

بَعْدَهَا بِأَيَّامٍ اكْتَشَفَ النَّاسُ أَنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَكُنْ يَأْتِي مِنْ بَيْتٍ أَصْلًا… بَلْ مِنَ النَّهْرِ نَفْسِهِ.

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَارَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النَّهْرَ يَحْتَفِظُ بِأَصْوَاتِ الْعُشَّاقِ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أَحِبَّتَهُمْ.

وَمَعَ مُرُورِ السِّنِينَ بَدَأَتِ الْمَدِينَةُ تَتَغَيَّرُ.

النَّاسُ صَارُوا أَسْرَعَ… أَقَلَّ إِصْغَاءً لِقُلُوبِهِمْ  وَأَكْثَرَ خَوْفًا مِنَ الْحُبِّ.

أَغْلَقَ حَافِظُ الْحِكَايَاتِ مَقْهَاهُ وَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِي:

«الْعَالَمُ لَا يَمُوتُ حِينَ تَخْتَفِي الْحَقِيقَةُ… بَلْ حِينَ يُصْبِحُ الْعِشْقُ أَمْرًا مُحْرِجًا.»

ثُمَّ رَحَلَ.

وَفِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ فَصْلِ الْعِشْقِ حَدَثَ أَمْرٌ لَمْ يَحْدُثْ مِنْ قَبْلُ.

تَوَقَّفَتِ السَّمَاءُ عَنْ إِنْزَالِ كَلِمَاتِ الْحُبِّ…

وَانْطَفَأَتِ النَّوَافِذُ الزَّرْقَاءُ.

وَسَكَتَ النَّهْرُ.

حِينَئِذٍ فَقَطْ فَهِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْحَقِيقَةَ الْمُرْعِبَةَ:

أَنَّ الْمَدِينَةَ لَمْ تَكُنْ مَكَانًا أَصْلًا… بَلْ كَانَتْ تُولَدُ كُلَّ مَرَّةٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ كَانَ الجَوَى سَبَبُ عَذَابَهِمَا دُونَ لِقَاءْ...                                            

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology