- ناقد
يراجع نصوص المهرجان ليقدم رؤاه النقدية، حينها أصدرت معدته صوتاً. فهمت زوجته فأحضرت له الطعام. فرِح وشكرها قائلاً: لقد فتحتِ لي شهية التشويق لقراءاتٍ أخرى ومختلفة.
شكراً لوجودكِ الثري ونظرتكِ الواعية.
تحياتي
القاص/ عبدالباسط عبدالله - السودان
قراءة نقدية:
تتجلى في قصة "ناقد" للقاص السوداني عبد الباسط عبد الله مهارةٌ عالية في استثمار لحظة خاطفة لتحويلها إلى مشهدٍ دالٍ يعكس جدلية العلاقة بين الجسد والفكر. إنَّ القراءة المنهجية لهذا النص تكشف عن انضباطٍ شديد في البناء، حيث يبتعد الكاتب عن الحكاية المطولة ليؤسس نصاً يقوم على "الانفجار الدلالي"، محترماً ميثاق القصة القصيرة جداً في تكثيفها واقتصادها اللغوي، إذ لا نجد في النص كلمةً زائدة؛ فكل مفردةٍ تحمل عبئاً دلالياً يخدم الرؤية الكلية. ويبرز العنوان "ناقد" كعتبةٍ ضرورية ومفتاحٍ تأويلي؛ فهو وإن جاء تقريرياً، إلا أنه يضع القارئ أمام توقعاتٍ معينةٍ حول وقار الممارسة النقدية، لتأتي القفلة لاحقاً وتُحدث المفارقة التي تكسر هذا التوقع وتمنح النص دهشته الخاصة، حيث نرى الناقد ينتقل من ممارسة "النقد" بوصفه نشاطاً ذهنياً متعالياً، إلى الاحتياج البيولوجي الصرف، ومن ثم إعادة تحويل هذا الاحتياج إلى لغة نقدية حين يمتدح الطعام بوصفه "شهية تشويق لقراءات أخرى".
تتأسس ديناميكية النص على هذه المفارقة الساخرة، حيث تحضر الزوجة لتسدَّ فراغاً جسدياً، فيستجيب الناقد بردِّ فعلٍ ذكي يعيد صياغة الموقف ويجعل من الطعام وقوداً للذائقة، وهنا نلحظ كيف استطاع الكاتب أن يملأ الفراغات السردية عبر إضمار "نوع النصوص" التي يراجعها، تاركاً للقارئ حرية بناء الحكاية الخلفية؛ هل كانت النصوص مرهقةً فاستدعت استراحة، أم كانت محفزةً فاستدعت استمرارية؟ وتتجلى البراعة الفنية في قدرة القاص على توظيف هذه اللحظة المجهرية لتجاوز اللعب اللغوي نحو بعدٍ إنساني عميق؛ فالناقد هنا كائنٌ بشريٌ بسيطٌ لا ينفصل عن واقع احتياجاته، والزوجة ليست مجرد شخصيةٍ هامشية، بل هي شريكٌ ضمنيٌ في "فعل القراءة" عبر توفير شروط الإبداع. إنَّ الأثر الذي يتركه النص يتجاوز لحظة القراءة، فهو يثير تساؤلاتٍ فلسفية حول مدى تأثر الأحكام النقدية بالحالة الإنسانية والبيئة المحيطة، محولاً لحظةً عابرةً في حياة ناقد إلى مختبرٍ كيميائي دقيق، حيث تُقاس القيمة الأدبية بمدى رنينِ المعنى في ذهن المتلقي بعد انغلاق النص على ورطته الإنسانية اللطيفة.
ا

