صوت الروح

   


بقلم ناز عدنان البوتاني

يُراودني من حينٍ إلى حينٍ خاطرةٌ أحاول أن أقيس أبعادها بقلبي، وأطرّز حافاتها بخرزٍ مُنتقاةٍ واحدةً تلو الأخرى،

وأن أجد المكان الأجدر به لأخطّ أحرفها البدائية

تُرى في أي زمانٍ، وفي أي ساعةٍ ستدقّ، لننطلق بلهفةٍ عارمة إلى سكك الأحرف، لننسّق ما يتناغم مع تركيبتنا الداخلية وماهية مشاعرنا؟

وكيف ننزوي خلفها لنصوغ كلماتٍ تتلاءم مع أحاسيس عاجزة عن البوح؟

لا يجوز الارتداد عن كل ما حلّله القلب بكامل صدقه؛ فالكلمة قبل أن تصل، خاضت صراعاتٍ عديدة، دون أن ترتاب في إمكانيتها بين أن تدنو أو تصمت، بين أن تُضمّد كسرتها أو تُظهرها، بين قلبٍ أنهكته النقاشات العقيمة، وعقلٍ يجنح إلى الوفاق

وفي نهاية المطاف، تأتي هكذا بأريحيةٍ تامة لتستقر على ألسنةٍ لا تعلم كم كابد الكاتب ليرسم هذه الأحرف ويجعلها في متناول الأيدي

فبين السطور التي كُتبت تستوطن روح الكاتب؛ إذ يضع كل أحاسيسه في قالبٍ مُصاغٍ من أقوالٍ تُخلَّد في الذاكرة

الكتابة هي الركيزة الأساسية للكاتب، وهي عملية استمرارية يتشبث بها كي لا يسقط كلوح توازن؛ إن اختلّ أحد الطرفين اختلّ الآخر

وإنّ انسياق قلبي وراء هذا الأمر ضرورة لا بدّ منها، لأن قلبي هو الآمر الوحيد، وقلمي خاضعٌ لإرادته

حين تُدرك كلَّ حرفٍ، وكلَّ حركةٍ، وتستشعر حركةَ اليدين على آلة الكتابة، وأنت تتأرجح بين حرفٍ وآخر، لتصوغ حسَّك اللامرئي، فيغدو شيئًا مرئيًّا ملموسًا

وحين تُسرّح الأنامل خصلات الأحرف لتصنع قصيدةً شعرية، فهو فنٌّ أيضًا

الكتابة هي لغة الكاتب التي تنقل مشاعره إلى كل اللغات

فكثيرٌ منا لغته عند الحزن صمتٌ يُخمد نيران الغضب بين أضلاعه كي لا يُلهب محراب سكينته، وعند الألم يخيّم الصمت ليجمع شتاته المبعثر. وعند الفرح كالشعب حين يظفر بانتصاره على الظلم ويمحو أثرَ الاستبداد كموجٍ يطمس نقشَ الرمل على شاطئ العشّاق

أما من يكتب، فهو يشابك خيوط الصراعات ليصوغ منها عباراتٍ وُلدت بين يدي  الكاتب وأطلق صرخته الأولى إلى الحياة

 كان قلبي دائمًا حين يكتب يتجرّد من كل السبل المألوفة، ويخرق كل القواعد، ولا يكترث إلا لطنينٍ يتردد في داخله، ويكتب حين يكون في أقصى لحظات الشعور

حين تُدرك كلَّ حرفٍ، وكلَّ حركةٍ، وتستشعر حركةَ اليدين على آلة الكتابة، وأنت تتأرجح بين حرفٍ وآخر، لتصوغ حسَّك اللامرئي، فيغدو شيئًا مرئيًّا ملموسًا

يكتب حين تُسدَل ستائر الأضواء في مسرح الحياة، كالليل حين يتستر بسواده على خفايا النفوس، رغم تمرده على الزمن حين يلهو مسرعًا

ويعقد معه هدنةً، ويجعل الكلام تحت سلطته دون أن يتزحزح، ويُفتّت الحروف فتاتَ خبزٍ تلتقطه الطيور فتتغذّى عليه ثم تحلّق عاليًا

كذلك هو الكاتب؛ تتجلّى فيه روح الفن حين يكتب

لقد خُلقت الكتابة لتذيق الناس طعم صمتهم حين يعجزون عن الكلام، فتصبح أناملنا تتكلم نيابةً عنهم

إن الكلام في لغتي يخضع لحالةٍ من الكتمان كي لا تبدو الأحرف مثقلة فتختلّ المشاعر

إنني أشعر حتى بتلك الكسرة التي اختبأت تحت عين المشاعر

كالجنديّ، وقلمه سلاحه في بيداء الحرب؛ صوتٌ يَهتف بالحق

ومهما عسعس ليل العقول، فلا بدّ لفجر الحق أن يرسم ملامحه في ساحات المعارك، وإن اختلّ توازن الكون.

الكتابة صوتٌ يعلن انتصاره على ذاته، حين يكون هتاف الحق محطة وصول لا بداية ختام، حين تُرصف الكُتب في شوارع المثقفين لتنهض الأمم وترتقي

فتغدو الشعارات منابر الحق والعلم والمعرفة لا أبواقاً للترهات ،

وتبقى الكتابةُ بالحبر على الورق آخرَ دليلٍ على وجودنا، وتبقى آثارُ أصابعِنا بصمةَ سلامٍ للعالم، ونبقى أحرارًا بعد انتهاء مهامّنا، في آخر حرفٍ نتجرّعه، حتى تستكينَ ذواتُنا لليقين.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology