قداحة جدي

 


الكاتب أحمد عبيدات  الاردن

كانت قداحة جدي رفيقته الدائمة، لا تفارقه كأن بينهما وعدا قديما لا يقال ولا يفسر. لا أدري أهي قطعة من معدن أم قطعة من روحه، لكنني كنت أراهما معا أينما ذهب، حتى خيل إلي أن جيبه لم يُخلق إلا لها، وأنها لم تُخلق إلا له. وكانت العاشقة لسيجارة الهيشي بين أصابع جدي، كأنها تعرف طعم الحياة حين تشتعل بين عودين صغيرين من النار والدخان. وكانت تستقر في كفه كما يستقر العصفور على غصن مألوف، فإذا مد يده وجدها هناك بلا تردد، وإذا غابت عنه لحظة بدا كأن شيئا من نهاره قد انكسر أو تأخر عن الظهور.

لم تكن قداحة عادية في نظرنا نحن الصغار. كانت أكبر من معدنها، وأعمق من شكلها، وأقرب إلى سرّ صغير يسكن يد رجل يعرف الحياة بصمتها لا بصوتها. كانت شعلة صغيرة تحمل أسرار المكان، وتعرف دروب الليل، وتحفظ مواعيد الصباح كما تحفظ الأم أسماء أبنائها. وكانت ترافق جدي في حله وترحاله، في الحقول، والوديان، وبين السنابل والطرق الترابية التي حفظت وقع خطواته كأنها تحفظ ذاكرة الأرض نفسها.

ومن يشعل بها بريموس الكاز صباحا؟ كان جدي يفعل ذلك كل يوم، كأنه يوقظ النهار من سباته الأول، وكأن العالم لا يبدأ إلا حين تلامس تلك الشرارة الصغيرة فم البريموس. عندها فقط تستيقظ النار من نومها الخفي، ويبدأ الماء بالغناء داخل الإبريق، كأن له روحا تستيقظ، وترتفع رائحة الشاي والقهوة في فضاء البيت، فتنهض الأرواح قبل الأجساد، وتفتح الصباحات نوافذها على يوم جديد لا يشبه ما قبله. وكنا نشعر أن النهار لا يولد حقا إلا من تلك اللحظة الصغيرة، من تلك الشرارة التي تشبه معجزة يومية لا يلتفت إليها أحد.

وكانت تشعل البنور ليلا أيضا، ذلك الضوء الذي كان يخرج من العتمة كما تخرج زهرة صفراء من قلب الليل، بطيئة، هادئة، لكنها واثقة. كانت السراجات القديمة تعرف هذه القداحة جيدا، وتنتظر لمستها كما ينتظر الطفل يد أمه في خوف الليل الأول. وما إن تلامس النار الفتيلة حتى ينساب الضوء على الجدران والوجوه والأحاديث، فيتغير شكل البيت، ويصبح الليل أقل قسوة، وأكثر ألفة، وكأن الضوء نفسه صار ضيفا يجلس بيننا يصغي للحكايات بصمت دافئ.

وكانت لهذه القداحة صداقة قديمة ومتينة مع خالتي، زوجة جدي. فما احتاجت يوما إلى إشعال نار إلا وجدتها حاضرة في جيب سروال جدي، كأنها تعرف طريقها إليه دون أن تُطلب. وفي إحدى الأيام احتاجتها، وجدي نائم، فمدت يدها إلى جيب سرواله فلم تجد القداحة، لكنها وجدت رأس القط الذي كان قد تسلل إلى الجيب واختبأ فيه، فارتبكت اللحظة بين الدهشة والضحك، وكأن البيت كله استيقظ على مفارقة صغيرة تليق بعالمه البسيط.

ولم تكن القداحة شيئا للنار فقط، بل كانت شاهدة على حياة كاملة تمشي ببطء وتترك أثرها دون ضجيج. شهدت مواسم القمح حين كانت السنابل تتمايل تحت الريح كأنها بحر ذهبي لا ساحل له، وشهدت مواسم الحصاد وأصوات المناجل وهي تغني في قلب الحقول، وشهدت ليالي الشتاء حين كانت الأمطار تدق الأبواب والنوافذ كأنها مسافر متعب لا يعرف وجهته، وشهدت جلسات السمر الطويلة التي كانت تمتد حتى يغلب النعاس العيون، فتخفت الأصوات شيئا فشيئا كأنها تعود إلى أصلها الأول: الصمت.

وشهدت ضحكات الأطفال، وأحاديث الكبار، وأكواب الشاي التي كانت تدور بين الأيدي كأنها دورة حياة صغيرة، ورائحة الخبز التي كانت تتسلل من فرن الطابون، وصوت الريح حين تعبر المكان في الليالي الباردة كأنها تمر على الذاكرة نفسها. كانت حاضرة في الفرح كما في التعب، في العمل كما في الراحة، وفي الصباحات المضيئة كما في الليالي الثقيلة التي تشبه الصمت الطويل.

ولعل أجمل ما في تلك القداحة أنها لم تكن أداة لإشعال النار فقط، بل كانت جزءا من حياة كاملة تمشي معنا دون أن ننتبه، وحكاية صغيرة تسكن داخل حكاية أكبر وأعمق منها. كانت تحمل في جوفها دفء البيت، ورائحة المكان، وخطوات جدي العائدة من الحقول، وصوت البريموس حين يهمس بالنار، وضوء البنور حين يفتح عينيه على الظلام، وأحاديث المساء التي كانت تتصاعد مع دخان الشاي نحو سقف الغرفة الطيني كأنها صلوات بسيطة لا تُقال.

ولهذا بقيت صورتها في الذاكرة أكبر من حجمها بكثير، وأوسع من شكلها الصغير. بقيت شعلة لا تنطفئ تماما، تضيء زاوية بعيدة من العمر، كلما مر الحنين من هناك، وأزاح الغبار عن الأيام، اشتعلت من جديد، وعاد جدي يمشي في المكان، وعادت القداحة تومض في يده، كأن الزمن لم يمض، وكأن بعض الأشياء خُلقت لتبقى مضيئة في القلب إلى الأبد.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology